أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

188

عجائب المقدور في نوائب تيمور

صامت وناطق ، وتغتنم الفرصة لبعد تيمور عنها ، وكان الله داد يحترز أشد الاحتراز منها ، وهو مع ذلك يجهز لهم التجاريد ، ويحفر لهم بالمكر الآبار والأخاديد ، ويقتل ويأسر ، ويطحن ، ويكسر ، حتى أقواها بعد تيمور ، وسيأتي ذكر هذه الأمور . نموذج يدل على عمق ذلك البحر المحيط وما كان يصل إليه غواص فكره النشيط ثم لما كان تيمور الشؤوم ، مخيما ببلاد الروم ، أبرد إلى الله داد مراسلة ، فيها أمور مجملة ومفصلة ، أمره بامتثالها ، وارسال الجواب بكيفية حالها ، منها أن يبين له أوضاع تلك الممالك ، ويوضح له كيفية الطرق بها والمسالك ، ويذكر كيفية مدنها وقراها ، ووهدها وذراها ، وقلاعها وصياصيها ، وأدانيها ، وأقاصيها ، ومفاوزها وأوعارها ، وصحاريها وقفارها ، وأعلامها ومنارها ، ومياهها وأنهارها ، وقبائلها وشعابها ، ومضائق طرقها ورحابها ، ومعالمها ومجاهلها ومراحلها ، ومنازلها وخاليها وأهلها ، بحيث يسلك في ذلك طريق الأطناب الممل ، ويتجنب مأخذ الايجاز وخصوصا المخل ، ويذكر مسافة ما بين كل منزلتين ، وكيفية السير بين كل مرحلتين ، من حيث تنتهي إليه طاقته ، ويصل إلى علمه ودرايته ، من جهة الشرق وممالك الخطا وتلك الثغور ، وإلى حيث ينتهي إليه من جهة سمرقند علم تيمور ، وليعلم أن مقام البلاغة في معاني هذا الجواب ، هو أن يصرف فيه ما استطاع من حشو وتطويل واطناب ، وليسلك في بيانه الطريق الأوضح من الدلالة ، وليعدل عن الطريق الخفي في هذه الرسالة ، إلى أن يفوق في وصف الأطلال وحدود الرسوم ، وتعريف الدمن مضغة الشيح والقيصوم . فامتثل الله داد ذلك المثال ، وصور له ذلك على أحسن هيئة وآنق تمثال ، وهو أنه استدعى بعدة أطباق ، من نقي الأوراق ، وأحكمها